القاضي عبد الجبار الهمذاني
41
المغني في أبواب التوحيد والعدل
المكلّف أن يلطف للمكلّف ، فإذا علم أنه إن رزقه مالا فعل الواجب على الحد الّذي يفعله إذا أمرضه ، فلا فرق في الوجه الّذي يجب هذا اللطف عليه ويحسن بين الأمرين « 1 » . فإن قال : إنه تعالى متى فعل الآلام صار كالعابث بفعلها ، من حيث يقع الغنى عنها بالملاذ . قيل له : إن الغرض الّذي له يفعل تعالى الملاذ حاصل في الآلام ، فلا فرق بين أن يقال فيها إنها تكون عبثا لوقوع الغنى بالملاذ عنها ، وبين أن يقال في الملاذ إنها تكون عبثا لوقوع الغنى بالآلام عنها . فإن قال : إن الآلام تجرى مجرى الظلم إذا كانت الحال هذه . قيل له : إنه تعالى بما يتضمنه عند فعلها من الأغراض ، تصير كأنها ليست بألم وكأنها لذة ، فكيف تكون ظلما « 2 » ؟ فإن قال : إن العوض المستحق بالآلام نجعله كأن لم يقع ؛ ويحصل للذة مزية للنفع الّذي فيها ؛ فيجب أن تكون بأن تفعل أولى ، وأن يقبح منه / تعالى والحال هذه أن يفعل الآلام . قيل له : إن الّذي ذكرته إنما يكون بحيث لو كان قدر العوض القدر الّذي يقابل على حد الانتصاف ، فيكون الجزء من اللذة يعادل الجزء من الآلام . فأما إذا كان العوض أعظم فيصير بحيث يختار العقلاء على اختلاف أحوالهم تحمل الألم لأجله ، فقد عادت الحال فيها إلى أنها بمنزلة اللذة لهذا الوجه ؛ فيحسن منه تعالى أن يفعلها بدلا من اللذات كما يحسن منه أن يفعل اللذات بدلا منها .
--> ( 1 ) في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : فلا فرق بين الأمرين في الوجه الّذي يجب هذا اللطف عليه ويحسن . ( 2 ) يعنى أن العبرة بالغاية لا بالوسيلة .